مهرجان مراكش الضحك فيه أوفيه يا معلم

مهرجان مراكش الضحك فيه أوفيه يا معلم
شارك

فؤاد الجعيدي

في زمن سابق يعود إلى أواسط الثمانين، التقيت أحد الكوميديين في جلسة داخل إحدى غرف أحد الفنادق بمدينة الزهور المحمدية،، كانت لمتنا تضم صحافيين، الجفان وعبد الكبير بنبيش  من الإذاعة الوطنية وخالد مشبال وعبد اللطيف بنيحيى من فريق الأنس الليلي بإذاعة طنجة في ذلك الزمن. وكان بينا  أحد الأساتذة الأجلاء من شمال المملكة الذي اشتغل لزمن طويل على شخصية عبد الكريم الخطابي، وصحافي من الاتحاد الاشتراكي الذي كان في ذلك الوقت مبعوثا لجريدة الاتحاد.

كان بيننا الكوميدي محمد ابو الصواب ( عدد من الذين ذكرتهم رحمة الله عليهم )

كنت معروفا بطباعي العبثية ساعتها، أليست الحياة بنص عبثي، استيقظت في طباع المرح، وودت أن أحرج الراحل محمد أبو الصواب.. فاجأته بسؤال عفوي وضعت له مقدمة طويلة على عادة الإطناب العربي، نحن لا نأتي من عوامل التربية والثقافة إلى الأسئلة المباشرة، وقد نقول كل شيء ولا نقول أي شيء.

المهم كنت أصنع شركا لأبي الصواب، لأختبر هل  هو فنان، يبني فرجته على قناعات ثقافية أم أنه يجاري ما اكتسبه من طبيعة لكنته المراكشية..

مراكش الناس يرضعون من تربتها الفكاهة، المراكشي يكفيك فيه أن تنظر إلى طاقيته تلك حكاية، مشيته حكاية ضحكته حكاية الحكايات..

الحكي المراكشي شرك من طبيعته، ينصب لك الفخاخ ويتوقع أن تقع في المصيدة التي هي جوهر الحكي وبؤرته النووية..

هنا كنت في المنعطف لأبي الصواب، بادرته بالسؤال أنت تضحك الجماهير بالآلاف المؤلفة قلوبهم ولا أخفيك، أن سؤالا يطاردني كيف لا يقوى زعيم سياسي على تجميع الناس وأنت وحدك تمتلك هذه القدرة على أن تكون في ساحة عمومية أو ملعب رياضي وتثير الضحك تخرجه من قلوب الغلاب. سؤال هل تضحكهم أم يضحكون منك ويستهزؤون عليك؟

غادر على الفور الغرفة الراحل أبو الصواب  حيث كانت الصدمة قوية لم يحتمل، لم يكن له صدر يتسع لرحاب الدنيا والاختلاف.

الجالسون أشبعوني لوما وعتابا على وقاحتي المرة وسخريتي اللاذعة.

تصيدت منهم آخرين.. لأعبر لهم، على أني أحاول وضع مسافة بيني وبين الأشياء، لأفهم الناس والعلاقات التي لن تكون في نهاية المطاف بريئة. ولأني في ذلك الزمان، كان شغلي الشغل أن أكتب مادة لا تشبه ما ينشر في الجرائد، حيث كنت ببساطة أنتمي لجريدة تحمل تطلعات الطبقة العاملة.

تخلف بي الزمان، حتى ذهبت بحثا عن فتى يدعى طاليس، تعذر علي الاتصال به وأدركت فيما بعد أنه من مرضى الشهرة، وقد ظن خطأ أنه هامة ومدرسة ولا يحق سوى للوزراء والولاة الاتصال به كان فجا في اتصاله معي ووقحا وسوقيا .

لم يكن فقط مريضا، بل كانت دوخة كبرى تلعب له برأس يحملها دون معنى في هذا العالم وهو الذي نال نصيبا متواضعا من الدراسة  ، اللهم أنه صار صاحب مقهى من المال العام، ويريد إقناع الناس أنها لن تكون مثل مقاهي منطقة المعاريف بالدار البيضاء، التي لها أصول تجارية واضحة  وتم اختلاق café-théâtre للركوب على الفن لتصريف القهوة والعصائر. ولا نخفي أن الركوب صار عملة في السياسة والنقابة ولا يتسع المجال للتفصيل في المفضوحات.

أريد اليوم فقط أن أفهم حين تقوم ضجة كبرى على مهرجان للضحك بمراكش وأن تدعمه بعض القنوات الدولية ويأتينا بطاليس الذي يأكل أرزاق رفاقه كما فعل مع طالب جامعي وأن ينصب عليه، ويساهم في إرساله إلى مصحة للأمراض النفسية والعقلية أمر لا يفعله إلا الأشرار.

لن تقوى كل النصوص المبفركة للتغطية عن كل هذه الآثام والذنوب، والتي تريد عنوة أن تخرج من صدورنا  وقلوبنا ضحكات صفراء شاحبة.

الحماقات التي لا نكشف عليها داخل الحشود البشرية أنه حين يضحك واحد منا تعلو ضحكات الآخرين، ونعيش هستيريا جماعية كل واحد منا يضحك على ليلاه في فرجة نحتفي فيها ضحكا على بعضنا البعض.

كيف يصير للضحك معنى في الحياة ما بعد كورونا؟ سؤال نغيبه ونلغيه وما معني أن نضحك من ظواهر وعلاقات اجتماعية ونحن صناعها بامتياز؟

بكل صراحة لم أعد لأطيق بعضا مما حدث ويحدث؟ وأنا أستحضر نماذج تتوعدنا بالضحك المغلف بالتسويق التجاري لفرجة منتظرة، تخفي عيوبها قبل عيوبنا وليست لها أهداف في الرغبة لمصالحتنا مع عالم مللنا فيه الاعتداء الأعمى على إنسانية الإنسان.

علينا العودة القوية للنصوص التي تنبثق من رحم المعاناة وتلتقط منا العيوب التي تعشعش في نفوسنا، ولا نراها بحكم الألفة التي تصير غباوة،  لننتج أفكارا ونبث رسائلا  ذات مضامين قوية تراهن على إنقاذنا وليس التحنقيز كالقردة تحت ضلال الأضواء، لتقديم فرجة ساقطة.

لا أود أن يفهم من كلامي أنه ينسحب على الجميع بل أني خضت في الشاذ الذي يقول الفقهاء لا حكم عليه.

admin

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *